ابراهيم بن عمر البقاعي
487
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وصرف الكلام إلى صفة الإحسان تلطفا به صلّى اللّه عليه وسلّم وبشارة له بالرفق بقومه فقال : رَبِّكَ أي المحسن إليك بجميع أنواع الإحسان فهو لا يدع أعداءك . ولما كان السياق للمجادلة بالباطل وهي فتل الخصم عن اعتقاده الحق ، وذلك تغطية للدليل الحق وتلبيس ، كان الحال أحق بالتعبير بالكفر الذي معناه التغطية فلذا قال تعالى : عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي أوقعوا الكفر وقتا ما كلهم سواء هؤلاء العرب وغيرهم ، لأن علة الإهلاك واحدة ، وهي التكذيب الدال على أن من تلبس به مخلوق للنار ، ثم أبدل من « الكلمة » فقال : أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ * أي من كفر في حين من الأحيان فهو مستحق للنار في الأخرى كما أنه مستحق للأخذ في الدنيا لا يبالي اللّه به بالة ، فمن تداركته الرحمة بالتوبة نجا ، ومن أوبقته اللعنة بالإصرار هلك . ولما بين عداوة الكفار للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وأتباعهم رضي اللّه عنهم بقوله : و ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ ما بعده ، وكان ذلك أمرا غائظا محزنا موجعا ، وختم ذلك ببيان حقوق كلمة العذاب عليهم تسلية لمن عادوهم فيه سبحانه ، زاد في تسليتهم شرحا لصدورهم وتثبيتا لقلوبهم ببيان ولاية الملائكة المقربين لهم مع كونهم أخص الخلق بحضرته سبحانه وأقربهم من محل أنسه وموطن قدسه وبيان حقوق رحمته للذين آمنوا بدعاء أهل حضرته لهم فقال ، أو يقال : إنه لما بين حقوق كلمة العذاب ، كان كأنه قيل : فكيف النجاة ؟ قيل : بايقاع الإيمان بالتوبة عن الكفران ليكون موقعه أهلا للشفاعة فيه من أهل الحضرة العلية ، فيغفر له إن تاب ما قدم من الكفر ، فقال مظهرا لشرف الإيمان وفضله : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وهم المقربون وهم أربعة كما يذكر إن شاء اللّه تعالى في الحاقه ، فإذا كانت القيامة كانوا ثمانية ، وهل هم أشخاص أو صفوف فيه كلام يذكر إن شاء اللّه تعالى وَمَنْ حَوْلَهُ وهم جميع الملائكة وغيرهم ممن ربما أراد اللّه كونه محيطا به كما تقدم في التي قبلها وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ أي طائفين به ، فأفادت هذه العبارة النص على الجميع مع تصوير العظمة . ولما كان ربما وقع في وهم أنه سبحانه محتاج إلى حملهم لعرشه أو إلى عرشه أو إلى شيء ، نبه بالتسبيح على أنه غنيّ عن كل شيء وأن المراد بالعرش والحملة ونحو ذلك إظهار عظته لنا في مثل محسوسة لطفا منه بنا تنزلا إلى ما تسعه عقولنا وتحمله أفهامنا ، فقال مخبرا عن المبتدأ وما عطف عليه : يُسَبِّحُونَ أي ينزهون أي يوقعون تنزيهه سبحانه عن كل شائبة نقص ملتبسين بِحَمْدِ وصرف القول إلى ضميرهم إعلاما بأن الكل عبيده من العلويين والسفليين القريب والبعيد ، وكائنون تحت تصرفه وقهره ، وإحسانه وجبره ، فقال : رَبِّهِمْ أي بإحاطة المحسن إليهم بأوصاف الكمال .